الشيخ محمد رشيد رضا

244

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المقصد الثالث من مقاصد القرآن ( بيان أن الاسلام دين الفطرة السليمة ، والعقل والفكر ، والعلم والحكمة ، والبرهان والحجة ، والضمير والوجدان ، والحرية والاستقلال ) قد أنى على البشر حين من الدهر لا يعرفون من الدين إلا أنه تعاليم خارجة عن محيط العقل كلف البشر بها « 1 » مقاومة فطرتهم ، وتعذيب أنفسهم ، ومكابرة عقولهم وبصائرهم ، خضوعا للرؤساء الذين يلقنونهم إياها ، فان انقادوا لسيطرتهم عليهم بها كانوا من الفائزين ، وإن خالفوهم سرا أو جهرا كانوا من الهالكين حتى إذا بعث اللّه محمدا خاتم النبيين ، يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم مما كانوا فيه من الضلال المبين - بين لهم ان دين اللّه الاسلام هو دين الفطرة ، والعقل والفكر ، والعلم والحكمة ، والبرهان والحجة ، والضمير والوجدان ، والحرية والاستقلال ، وأن لا سيطرة على روح الانسان وعقله وضميره لأحد من خلق اللّه ، وإنما رسل اللّه هداة مرشدون ، مبشرون ومنذرون ، كما تقدم بيانه في المقصد الذي قبل هذا ، ونبين هذه المزايا بالشواهد المختصرة من القرآن فنقول : ( 1 ) الاسلام دين الفطرة قال اللّه تعالى ( 30 : 30 فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ - ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) الحنيف صفة من الحنف ( بالتحريك ) وهو الميل عن العوج إلى الاستقامة ، وعن الضلالة إلى الهدى ، وعن الباطل إلى الحق ، ويقابله الزيغ وهو الميل عن الحق إلى الباطل الخ وفطرة اللّه التي فطر الناس عليها هي الجبلة الانسانية ، الجامعة بين الحياتين : الجسمانية الحيوانية ، والروحانية الملكية ، والاستعداد لمعرفة عالم الشهادة وعالم الغيب فيهما ، وما أودع فيها من غريزة الدين المطلق الذي هو الشعور الوجداني بسلطان غيبي

--> ( 1 ) الظرف متعلق بالمصدر الذي بعده وفعل التكليف يتعدى بنفسه وعلماء الأصول والفقه يعدونه بالباء